فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



إذن: فلو أنهم خرجوا لكانوا سببًا في الهزيمة، لا من أسباب النصر. وصوَّبَ الحق عمل الرسول، وهو صلى الله عليه وسلم له العصمة.
وهنا نحن أمام عفو من الله، على الرغم من عدم وجود ذنب يُعفى عنه، وهنا أيضًا إذن من الرسول لهم بالقعود، ونزل القرآن ليؤكد صوابه.
وهناك من فهم قول الحق: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} على أنها استفهام استنكاري، وكأن الحق يقول: كيف أذِنْتَ لهم بالعفو؟
إذن: فرسول الله بين أمرين: بين عفو لا يُذْكَرُ بعده ذنب، واستفهام يفيد عند البعض الإنكار.
ونقول: إن الحق سبحانه وتعالى أيَّد رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا} [التوبة: 47].
فكأن الرسول قد هُدِيَ إلى الأمر بفطرته الإيمانية، وقد أشار القرآن إلى ذلك؛ ليوضح لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم وفطرته سليمة، وكان عليه أن يقدم البيان العقلي للناس؛ لأنه الأسوة حتى لا يأتي من بعده واحد من عامة الناس ليفتي في مسألة دينية ويقول: أنا رأيت بفطرتي كذا، بل لابد أن يتبين الإنسان ما جاء في القرآن والسنة قبل أن يفتي في أمر من أمور الدين.
وعلى سبيل المثال: اختلف الأمر بين المسلمين في مسألة الفداء لأسرى بدر ونزل القول الحق: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 68].
وأيَّد الله حكم رسوله وأبقاه. إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم هُدِي إلى الأمر بفطرته الإيمانية، ولكن هذا الحق لا يباح لغير معصوم.
وقد أباح الحق سبحانه الاستئذان في قوله: {فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} [النور: 62].
والحق سبحانه وتعالى يقول هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الكاذبين} وهكذا يتبين لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أذن لهم بالمقدمات والبحث والفطرة، ورأى أن الإذن لهؤلاء المتخلفين هو أمر يوافق مراد الحق سبحانه؛ لأنهم لو خرجوا مع جيش المسلمين ما زادوهم إلا خبالًا، لعدم توافر النية الصادقة في الجهاد؛ لذلك ثبطهم الله، وأضعف عزيمتهم حتى لا يخرجوا. والعفو هنا جاء في شكلية الموضوع، حيث كان يجب التبيُّن قبل الإذن، فيقول الحق سبحانه: {حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الكاذبين} أي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم يأذن لهم لكانوا قد انكشفوا، ولكن إذنه لهم أعطاهم ستارًا يسترون به نفاقهم، فهم قد عقدوا النية على ألا يخرجوا، ولو فعلوا ذلك لافتُضِحَ أمرهم للمسلمين جميعًا، فشاء الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسترهم. اهـ.

.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43)}
أخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير عن عمرو بن ميمون الأودي رضي الله عنه قال: اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء إذنه للمنافقين وأخذه من الأسارى، فأنزل الله: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مورق العجلي رضي الله عنه قال: سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا، بدأ بالعفو قبل المعاتبة فقال: {عفا الله عنك لم أذنت لهم}.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} قال: ناس قالوا: استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أذن لكم فاقعدوا وإن لم يأذن لكم فاقعدوا.
وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {عفا الله عنك لم أذنت لهم...} الآيات الثلاث.
قال: نسختها {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم} [62].
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {عفا الله عنك لم أذنت لهم...} الآية.
قال: ثم أنزل الله بعد ذلك في سورة النور {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم}. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43)}
قوله تعالى: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}: {لِمَ} و{لهم} كلاهما متعلقٌ بأَذِنْتَ. وجاز ذلك لأنَّ معنى اللامين مختلف، فالأولى للتعليلِ، والثانيةُ للتبليغ، وحُذِفَتْ ألفُ ما الاستفهاميةِ لانجرارِها. وتقديمُ الجارِّ الأول واجبٌ لأنه جرَّ ما له صدرُ الكلام. ومتعلَّقُ الإِذْنِ محذوفٌ، يجوز أن يكونَ القُعود، أي: لِمَ أذنت لهم في القعود، ويدل عليه السِّياق مِن اعتذارهم عن تَخَلُّفِهم عنه عليه السلام. ويجوز أن يكون الخروج، أي: لِمَ أذنت لهم في الخروج لأنَّ خروجَهم فيه مفسدةٌ مِنَ التخذيل وغيرِه يدل عليه {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا} [التوبة: 47].
قوله: {حتى يَتَبَيَّنَ} {حتى} يجوز أن تكون للغاية، ويجوزُ أن تكونَ للتعليل، وعلى كلا التقديرين فهي جارَّةٌ: إمَّا بمعنى إلى وإمَّا اللام، و{أَنْ} مضمرةٌ بعدها ناصبة للفعل، وهي متعلقة بمحذوفٍ.
قال أبو البقاء تقديره: هلاَّ أخَّرْتَهم إلى أن يتبيَّنَ أو ليتبيَّن. وقوله: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} يدلُّ على المحذوف، ولا يجوزُ أن تتعلَّقَ {حتى} بـ {أَذِنْتَ} لأن ذلك يوجب أن يكونَ أَذِن لهم إلى هذه الغاية أو لأجل التبيين، وذلك لا يُعاتَبُ عليه. وقال الحوفي حتى غاية لِمَا تضمَّنه الاستفهامُ، أي: ما كان له أن يأذن لهم حتى يتبيَّنَ له العُذْر. قلت: وفي هذه العبارةِ بعَضُ غضاضة. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43)}
لم يكن منه صلى الله عليه وسلم خرْقُ حَدٍّ أو تعاطي محظورٍ، وإنما نذر منه ترك ما هو الأَوْلى. قَدَّم الله ذِكْرَ العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب بقوله: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}.
أو مِنْ جواز الزَّلة على الأنبياء- عليهم السلام- إذ لم يكن ذلك في تبليغ أمر أو تمهيد شرع بقول قائله: أنشدوا بالعفو قبل أن وقف للعذر وكذا سُنَّة الأحباب مع الأحباب، قال قائلهم:
ما حطَّك الواشون عن رتبة ** عندي ولا ضَرَّك مُغْتَابُ

كأنهم أَثْنَوْا ولم يعلموا ** عليكَ عندي بالذي عابوا

ويقال حسناتُ الأعداء- وإن كان حسنات- فكالمردودة، وسيئات الأحباب- وإن كانت سيئات- فكالمغفورة:
مَنْ ذا يؤاخِذُ مَنْ يحبُّ بِذَنْبِه ** وله شفيعٌ في الفؤاد مُشَفِّع

اهـ.

.تفسير الآية رقم (44):

قوله تعالى: {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما فاته صلى الله عليه وسلم معرفتهم بهذا الطريق، شرع العالم بما في الضمائر يصفهم له بما يعوض عن ذلك، فقال على طريق الجواب للسؤال: {لا يستئذنك} أي يطلب إذنك بغاية الرغبة فيه {الذين يؤمنون بالله} أي يجددون الإيمان كل وقت حقًا من أنفسهم بالملك الذي له صفات الكمال {واليوم الآخر} أي الذي يكون فيه الجزاء بالثواب والعقاب {أن} أي في أن {يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم} بل يبادرون إلى الجهاد عند إشارتك إليه وبعثك عمومًا عليه فضلًا عن أن يستأذنوك في التخلف عنه، فإن الخلص من المهاجرين والأنصار كانوا يقولون: لا نستأذنه صلى الله عليه وسلم أبدًا في الجهاد فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد مرة فأيّ فائدة في الاستئذان! ولنجاهدن معه بأموالنا وأنفسنا، وكانوا بحيث لو أمرهم صلى الله عليه وسلم بالعقود شق عليهم كما وقع لعلي- رضى الله عنهم- في غزوة تبوك حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى»! ولما كان التقدير: فمن اتصف بذلك فاعلم أنه متق بأخبار الله، عطف عليه قوله: {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {عليم بالمتقين} أي الذين يخافون الله كلهم. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44)}
في الآية مسائل:
المسألة الأولى:
قال ابن عباس: قوله: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ} أي بعد غزوة تبوك، وقال الباقون: هذا لا يجوز، لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها وردت في قصة تبوك، والمقصود من هذا الكلام تمييز المؤمنين عن المنافقين، فإن المؤمنين متى أمروا بالخروج إلى الجهاد تبادروا إليه ولم يتوقفوا، والمنافقون يتوقفون ويتبلدون ويأتون بالعلل والأعذار.
وهذا المقصود حاصل سواء عبر عنه بلفظ المستقبل أو الماضي، والمقصود أنه تعالى جعل علامة النفاق في ذلك لوقت الاستئذان، والله أعلم.
المسألة الثانية:
قوله: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر أَن يجاهدوا} فيه محذوف، والتقدير: في أن يجاهدوا.
إلا أنه حسن الحذف لظهوره، ثم هاهنا قولان:
القول الأول: إجراء هذا الكلام على ظاهره من غير إضمار آخر، وعلى هذا التقدير فالمعنى أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا، وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون لا نستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد أخرى، فأي فائدة في الاستئذان؟ وكانوا بحيث لو أمرهم الرسول بالقعود لشق عليهم ذلك، ألا ترى أن علي بن أبي طالب لما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبقى في المدينة شق عليه ذلك ولم يرض إلى أن قال له الرسول: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى».
القول الثاني: أنه لابد هاهنا من إضمار آخر، قالوا لأن ترك استئذان الإمام في الجهاد غير جائز، وهؤلاء ذمهم الله في ترك هذا الاستئذان، فثبت أنه لابد من الإضمار، والتقدير: لا يستأذنك هؤلاء في أن لا يجاهدوا، إلا أنه حذف حرف النفي، ونظير قوله: {يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} [النساء: 176] والذي دل على هذا المحذوف أن ما قبل الآية وما بعدها يدل على أن حصول هذا الذم إنما كان على الاستئذان في القعود، والله أعلم. اهـ.

.قال السمرقندي:

ثم بيّن له علامة المؤمنين وعلامة المنافقين، فقال الله تعالى: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ}، يعني: بغير عذر {الذين يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر} في السر والعلانية {أَن يجاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ والله عَلِيمٌ بالمتقين}، يعني: بالمؤمنين المخلصين. اهـ.

.قال ابن عطية:

قوله: {لا يستأذنك} الآية.
نفي عن المؤمنين أن يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في التخلف دون عذر كما فعل الصنف المذكور من المنافقين، وقوله: {أن يجاهدوا} يحتمل أن تكون {أن} في موضع نصب على معنى لا يستأذنون في التخلف كراهية أن يجاهدوا، قال سيبويه ويحتمل أن تكون في موضع خفض.
قال القاضي أبو محمد: على معنى لا يحتاجون إلى أن يستأذنوا في أن يجاهدوا بل يمضون قدمًا، أي فهم أحرى ألا يستأذنوا في التخلف، ثم أخبر بعلمه تعالى: {بالمتقين} وفي ذلك تعيير للمنافقين وطعن عليهم بين. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}
قال ابن عباس: هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود.
قال الزجاج: أعلم الله عز وجل نبيَّه صلى الله عليه وسلم أنَّ علامة النفاق في ذلك الوقت الاستئذان.

.فصل [فيمن قال بنسخ الآية]:

وروي عن ابن عباس أنه قال: نسخت هذه الآية بقوله: {لم يذهبوا حتى يستأذنوه...} إلى آخر الآية [النور: 62].
قال أبو سليمان الدمشقي: وليس للنسخ هاهنا مدخل، لإمكان العمل بالآيتين، وذلك أنه إنما عاب على المنافقين أن يستأذنوه في القعود عن الجهاد من غير عذر، وأجاز للمؤمنين الاستئذان لما يعرض لهم من حاجة، وكان المنافقون إذا كانوا معه فعرضت لهم حاجة ذهبوا من غير استئذانه. اهـ.